المثقف و"الساحر" والقراميط

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news

بعد أكثر من 20 عاما على طرحه في دور العرض السينمائي يتصدر فيلم "الساحر" للمخرج الراحل رضوان الكاشف قائمة أكثر الأفلام العربية مشاهدة بعد طرحه في أحد أكبر منصات عرض الأفلام في العالم، كان الفيلم التجربة الإنتاجية الأولى للمخرج المثقف رضوان الكاشف ويعتبر أيضا التجربة السينمائية الأولى التي سيتعامل بها الكاشف مع السينما باعتبارها فن شارع بعد تجربتين سابقتين غارقتين في الذاتية.

لست أدري إن كان راضياً فعلا عن خوض هذه التجربة أم أن الظروف هي ما أجبرته على ذلك، ولأني أصدق أحمد فؤاد نجم حينما وصف المثقف بـ"عدو الزحام"، فأرجح أن طبيعة مثقف كما رضوان الكاشف كانت ستميل إلى الابتعاد عن الزحام لولا أنه يغامر بماله الخاص، فلكي ينتج المثقف فيلما من الطبيعي أن يكون قد باع كل ما يملك وتداين، ويجب على الفيلم أن يبيع حتى لا يقومون الديانة بقتله.

"الساحر" كان يمكن أن يكون امتدادا لـفيلمه السابق "ليه يا بنفسج" لولا أن الكاشف أصبح هو المنتح فضحى بجزء كبير من ذاتيته، تجلى هذا بقوة في أن الفيلم أصبح له عنوانان "الساحر" وهو العنوان الرئيسي المناسب و"نظرية البهجة" وهو العنوان الثانوي الذي جاء وجوده مجانيا وغير مفهوم، لكن "الساحر" مفهوم، مفهوم أنه امتداد لسلسلة أفلام ومسلسلات محمود عبد العزيز التي تحمل اسما واحدا عبارة عن صفة البطل كالجينتل والنمس والقبطان وأبو كرتونة والمصري والهجان، وستدخل الناس قاعات عرض "الساحر" لتتابع هذه السلسلة التي اعتادتها من نجمها المفضل محمود عبد العزيز.

وأظن أن شخصية رضوان الكاشف المثقفة لا تتناغم مع شخصية محمود عبد العزيز العملية الشعبية، فلو كان هناك منتج غيره لاستمر في طبعه الرافض للبطولة المطلقة، ففي كل أفيشات أفلامه السابقة تظهر صور يتساوى فيها جميع الأبطال ويبرز اسم رضوان الكاشف، بينما في أفيش "الساحر" كانت أضخم صورة هي صورة محمود عبد العزيز وأضخم اسم هو اسم محمود عبد العزيز، وهذا مظهر يحسب لرضوان الكاشف، فهذه تعد من النوادر التي يستطيع فيها المثقف أن يتخلى عن الإيجو الخاص به لصالح المصادفة والمجهول.

لم يكن هذا ما تخلى الكاشف عنه فقط بل تخلى عن مساحات طويلة من شريط الصوت الذي احتوى الثقافة السمعية الشعبية للمصريين بأغنية "كذلك في الزمالك" وأغنية الفرح شعبي وأبرز أغاني البوب الأكثر رواجا في تلك الفترة كـ"تملي معاك" لعمرو دياب و"يا ترى يا حبيبي" لبهاء سلطان وأعتقد أن هناك مشاهد أضيفت خصيصا لتخدم على محمود عبد العزيز فهو ممثل كبير وفي رأسه يدور فيلمه الخاص. فيلم مغاير تماما للفيلم الذي يجول في رأس رضوان الكاشف.

ورغم كل هذا لم يتحول الفنان لموظف لدى السوق بل ظل محافظا على ذاتيته ومعاداته للمجانية في العمل الفني، ولو كان هناك بوستر للفيلم غير تجاري فينبغي أن تكون صورة معدلة من أعمال حامد ندا أو جميل شفيق صورة يكون بها القراميط والأوز المصري والحصان البلدي وحَمَام الساحر، يرقصون جميعا في جزيرة وسط نيل حي أثر النبي على أنغام الهارمونيكا الخاصة بحازم (أحد شخصيات الفيلم).

المدهش في الفيلم حالة التناغم التي نجح المخرج في خلقها بين القصة وهندسة المناظر. فالقصة فريدة من نوعها غاصت في مكنون الحي الشعبي المصري وخلقت من جدلياته وأزماته النفسية شخصية مركبة كشخصية "منصور بهجة" الأب الذي ترك كل شيء ليتفرغ لمراقبة ابنته الريانة المثمرة "نور".

حالة هوس ذكرى فريدة من نوعها، جوهرها منتشر في قصص الأوروبيين -دون جوزيه في أوبرا كارمن كمثال-، لكن هوس الذكر منصور بهجة بالتحديد لا يوجد سوى في الأحياء الشعبية في مصر ربما يكون السيناريست سامي السيوي قد استند لقصة حقيقية عن أب ترك العالم ليتفرغ لمراقبة ابنته، ونسج من تلك التيمة شخصية معقدة للغاية؛ ساحر ترك السحر لكنه استمر في شراء الحمام، يحب السينما، حنون مع جيرانه، غامر بكل شيء لإنقاذ طفل من العمى، لكن عقدته الوحيدة تتمثل في ابنته، ولا نعرف لماذا كل هذا الهوس، هل لأنه ساحر فاشل لم يصنع شيئا يشرفه فاعتبر ابنته بعد وفاة أمها هي صنيعة الوحيد فقرر امتلاكه والتشبث به؟! أم أنه رد فعل لتنشئة تعتمد على نوع فريد من الكبت نشأ ذلك الحي عليه؟! وتتعدد التأويلات في ذلك لتلبس هوس الذكورة حالة من الغموض.

جميع أصدقاء "منصور بهجة" هم مجموعة من الفشلة والمحطمين نفسيا، وتقريبا سر حب منصور بهجة لهم يأتي من هذا السبب. فسيد عصب متخصص سابق في "لبش الشوارع" وإبراهيم السايس قضى جل عمره في تربية الخيول وفشل في أن يمتلك حصاناً واحداً له بعد كل هذا العمر وفخري المخبر بعد ٢٠ سنة خدمة في البوليس يفقد الأمل في أن رتبة ما توافق على حضور فرح ابنته وطه السواق الذي أراد أن يكحل حياة منصور فأعماها، وشوقية الحفافة وهي شخصية محورية وخطيرة ليس بسبب الكتابة فقط بل بسبب براعة الممثلة سلوى خطاب. أيضا فشلت في الحفاظ على أسرتها وحتى فشلت في الانتقام من زوجها وأصبحت قليلة الحيلة أمام عين ابنها التي تتجه نحو العمى.

ومن يثيرون الدهشة في هذا العمل الأيقوني هم المصورون ومهندسو الديكور الذين عثروا على هذا الحي الفريد الذي تلتصق فيه البيوت الصغيرة بعضها ببعض للدرجة التي إذا فتح أحدهم شباك منزله يستطيع ان يقفز داخل منزل جاره، فكيف عثروا على هذا الحي وسطح المنزل الذي فوقه يشكل النيل خط أفق للمشاهد وعشة الحمام الأنيقة التي عاشت فيها شوقية الحفافة كحمامة ساحرة مثل باقي الحمامات.

أيضا مدير التصوير بدا وكأنه كاهن من كهنة مصر القديمة في تقديسه للشمس التي تخترق النوافذ وتحسس على أجسام النائمين، وكم هي حنونة شمس الشتاء في القاهرة؟!.

ورغم حضور القاهرة وشعبية شمسها، إلا أن الموسيقى التصويرية كان دورها في الفيلم مثل طائر عناق مكلف بانتشال هذا الحي من محلياه والطواف به حول عالم أكثر رحابة به رباعي وتري وصوليست ساكسفون.

لم يأخذ هذا الفيلم الخطير حقه عالميا رغم تبني المنصة العالمية حاليا عرضه وذلك لأنه خارج تربيطات العالم، لكنه أكبر من أن يأخذ سعفة كان الذهبية ودب برلين، وهذا يكشف مدى زيف الجوائز والمهرجانات في فن السينما بالتحديد. لكن أعتقد أن "الساحر" حقق أرباحا لأنه التحم بالشارع بشكل قوي وتم توزيعه بشكل رهيب. أتذكر التريلر الخاص به فقد لعب كثيرا على نفسية المراهقين والكبت الذي يعيشه بعض أفراد الطبقات الشعبية وهذه طائفة رجالية ضخمة اعتقد ملئوا القاعات وقت طرحه، لقد دخلته برفقة أصدقاء الطفولة في سينما متنقلة في إحدى احتفالات شم النسيم بسفح هرم ميدوم وأتذكر أننا دخلناه تحت وطأة الدعاية للمراهقين كان عمرنا 12 عاما ونريد أن نستكشف كل شيء.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق