ما حدث في فيتنام كان مذهلاً بالفعل:
رئيس أمريكا يزور الدولة الصغيرة التي هزمت بلاده الكبيرة وأودت بنحو 60 ألف قتيل و500 ألف جريح أمريكي، فلا يستنتج سوى أنه يتعين على واشنطن “متابعة الحرب حتى النصر في العراق”.
قال بوش: “تجربة فيتنام أقنعتني بأن ثمة حاجة للصبر(...). وهذا يعني بالنسبة للعراق أن المهمة هناك تحتاج إلى وقت. إننا سننجح إذا لم ننسحب”.
ماذا عنى الرئيس الأمريكي بذلك؟
إنه عنى بوضوح أنه لو “صبرت” الولايات المتحدة أكثر في فيتنام، لكانت حصدت النصر بدل الهزيمة. وهذا، على أي حال، هو المنطق الأساسي الذي روج له المحافظون الجدد لتبرير كل حروبهم في العراق وفيتنام وبقية أنحاء العالم.
لكن، هل هذا المنطق العنفي المدهش قصر على بوش ومحافظيه الجدد؟
تاريخ الولايات المتحدة لا يوحي بذلك. والحروب الراهنة التي تشنها هذه الأخيرة تشكل في الواقع استمراراً لسلوكيات من نمط قديم تعود الى النصف الثاني من أربعينات القرن العشرين، التي شهدت التدخلات الأمريكية السرية والعلنية الآتية:
الصين (1945)، اليونان (1947- 1949)، كوريا (1950- 1953)، إيران (1953)، جواتيمالا (1954)، إندونيسيا (1954-1973)، لبنان (1958)، الكونجو (1960-1964) كوبا (1961)، إندونيسيا (1965) جمهورية الدومينيكان (1965- 1966)، تشيلي (1973)، انغولا (1976- 1992)، لبنان (1982- 1984)، جرانادا (1983-1984)، أفغانستان (1979- 1989)، السلفادور (1981- 1992)، نيكاراجوا (1981- 1990)، بنما (1989- 1990)، العراق (1991)، الصومال (1992-1994)، هاييتي (1994)، البوسنة (1995)، يوغسلافيا (1999)، أفغانستان (2001- الى الآن)، العراق (2003 الى الآن).
وبعد نهاية الحرب الباردة، كان التوسع العسكري الضخم للولايات المتحدة في العالم واضحا من خلال تزايد القواعد المنتشرة في كل انحاء الكرة الارضية. وقد كتب تشارلمرز، في مؤلفه “حسرات الامبراطورية” أنه، وعلى عكس كل شعوب الارض، معظم الأمريكيين لا يعرفون أو لا يختارون أن يعرفوا بأن الولايات المتحدة تهيمن على العالم من خلال قوتها العسكرية. وبسبب السرّية التي تعمل بها حكومتهم، فإنهم يجهلون الحقيقة بأن أمريكا تحتل الكرة الأرضية. ليس لديهم علم بالشبكة الواسعة من القواعد العسكرية الأمريكية في كل القارات، عدا أنتارتيكا (قارة القطب الجنوبي).
وبرغم النفي من أعلى المستويات الأمريكية لفكرة أن “الباكس أمريكانا” (السلام الأمريكي) سيفرض بقوة السلاح، إلا أن هذه الفكرة ذاتها باتت الهدف المفضل لأولئك الذين يحاولون تبرير ما كان يوصف بالامبراطورية الأمريكية الحميدة.
وهكذا، في كتابه الشهير “باكس أمريكانا” الذي نشر للمرة الاولى العام 1967 خلال حرب فيتنام، وصف رونالد ستيل باستفاضة: “تلك الامبريالية الحميدة للباكس أمريكانا المتميزة ببناء الامبراطورية من أجل أهداف نبيلة لا لأهداف الربح والنفوذ”. وثمة فصل في الكتاب حول المساعدات الخارجية بوصفها “عنصرا من عناصر الامبريالية: عنوانه “عبء الرجل الأبيض”.
***
حديث بوش العنفي في فيتنام لم يكن، إذاً، صاعقة في سماء صافية. إنه كان، بالأحرى، تعبيراً صافياً عن نزعة عسكرية توسعية أمريكية متصلة بدأت مع نشأة الولايات المتحدة، ولا يتوقع لها أن تنتهي قريباً أو تتلاشى من تلقاء نفسها.
لماذا؟ لأن هذا هو الجوهر الحقيقي لكل/وأي امبراطورية في التاريخ. فهي بالسيف تقوم، وبالسيف تستمر، وبالسيف تسقط