
بسم الله الرحمن الرحيم
آية الله الخالصي في خطبة الجمعة في الكاظمية المقدسة: ما الفرق بين من يوقع اليوم على وثيقة تسليم العراق مقابل مليونين أو ثلاثة ملايين وبين من وقع على قتل الحسين. إذا وقعت هذه المعاهدة فقدَ العراق استقلاله وسيادته لأنها ستكرس التبعية إلى ما شاء الله.
قال سماحة آية الله المجاهد الشيخ جواد الخالصي في خطبة الجمعة المباركة بالمدرسة الزهراء في جامعة مدينة العلم للإمام الخالصي الكبير (قدس سره) في الكاظمية المقدسة بتاريخ 1 رجب الخير 1429هـ الموافق4/ تموز / 2008 م .
· أوصيكم بتقوى الله وعدم الانخداع في هذه الدنيا، فالمغرور من غرته والشقي من فتنته، هذه الدنيا التي تستدرج إليها بعض العباد ليكونوا من أبنائها فينسوا ذكر الله والآخرة، هذه الدنيا أيام ولحظات كلما مضى يوم ذهب جزء منها وذهب جزء من عمر الإنسان أيضا. وهي شهرٌ وشهر ويوم وليل ويتعاقب الحدثان حتى يجد الإنسان نفسه في العاشرة من العمر ثم العشرين ثم الأربعين ثم الخمسين وإذا شاء الله أبقاه إلى ما بعد ذلك، وانظروا إلى هذه الدنيا كلما هل هلال نقص من عمرنا شهر كبير واقتربنا من القبر خطوة عظمى ولكن الناس في غفلة . وقف إمامُنا الزكي النقي (أبو محمد الحسن (عليه السلام)) على قبر محفور وعلى جنازة يوشك أن تُلحد في القبر، فقال (عليه السلام ) ((إن أمرا هذه نهايته لحريٌ أن يزهد فيه (وهو أمر الدنيا)، وان أمرا هذه بدايته لحري أن يُخاف منه))، فان بين الدنيا والآخرة ألف عقبة أهونها أو أولها الموت، فأي سفينة نركب وأي متاع نحمل إلى السفينة إلا الإيمان، وإلا التقوى وإلا محبة نبينا محمد(صلى الله عليه واله وسلم) ومحبة أهل بيته الطيبين الطاهرين والسائرين على نهجهم من الأصحاب والتابعين؟ والمتاع الآخر كما قال ربنا تزودوا فأن خير الزاد التقوى. وقف أمير المؤمنين علي (عليه السلام) على مقبرة مهجورة فقال (( السلام عليكم دار قوم مؤمنين انتم لنا فرط سابق وإنا بكم إن شاء الله لاحقون وقال (عليه السلام) مخاطباً أهل القبور( أما النساء فقد زوجت، وأما الدور فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم )) فقال له بعض أصحابه أيسمعون كلامك يا أمير المؤمنين فقاال (عليه السلام) لو أُذن لهم لقالوا: أن خير الزاد التقوى)) فاتقون يا أولي الألباب، نحن بحاجة إلى لحظات بسيطة من التأمل والتفكر وقد ورد في الأثر قول رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ( تفكر ساعة خير من عبادة سنة) فلنفكر قليلاً بما أصابنا في هذه البلاد وبما أصاب امة الإسلام عبر هذه السنوات، فلنفكر ولنتأمل ما الذي حصل عليه الرجال الذين ساسوا هذه الأمة، سواء كانوا من ساسة الإيمان والحق والهدى أو كانوا ساسة الجهل والجاهلية والدنيا ومفاسدها. أولاً أنهم جميعاً ذهبوا إلى الله لا أحد منهم اليوم بيننا بعضهم ذهب وهو يعاني آلام الجراح والهجرة والتشرد والسجون على نهج الإمام الكاظم (عليه السلام) لأنه لم يعطِ الدنية من دينه. والقسم الآخر أيضا ذهب إلى الله ولم يأخذ معه شيئاً، ولكن ترك في الدنيا ذكرى الأوسمة التي أعطتها بريطانيا له! حينما يفكر الإنسان بعقله يجد الطريق لاحباً واضحاً ويجد المسيرة بينة واضحة. هذا درب يوصل إلى الله وهذا درب يوصل إلى الشيطان، نحن لازلنا في اختبار في هذه الدنيا فلنرَ من الذي سار في طريق الضلال وباع الآخرة بالثمن الأبخس وارتكس! يدفع له اليوم مبلغ من ثلاثة ملايين او اربعة ملايين او خمسة ملايين.
ما الفرق بين من يوقع على هذه الوثيقة وبين من وقفوا أو شاركوا في قتل الإمام الحسين(عليه السلام) مقابل مبلغ من الملايين؟ ما الفرق بينك وبينه؟ هذا سؤال نوجهه لأنفسنا لو كنا نحن اليوم في لحظة المجابهة في كربلاء وعُرض على بعضنا جزء من هذه الملايين؟ هل سنكون كذلك؟ الذي كان يقول : (أوقر ركابي فضة أو ذهبا، إني قتلت السيد المحجبا، قتلت خير الناس أما وأبا) . إذا هو يشارك في قتل خير الناس من اجل الدرهم والدينار! ما الفرق بين من يوقع اليوم على وثيقة تسليم العراق وتسليم شعب العراق وتسليم هوية العراق أمام مبلغ مليونين أو ثلاثة ملايين وبين من وقع على قتل الحسين؟. لذلك لا تتعجبوا إذا قال البعض من إخوانكم أن الذين يبيعون العراق اليوم لو كانوا زمن الحسين (عليه السلام) لكانوا أول المشاركين في قتله.
أهذه ذكريات قد مضت ولا عودة إليها؟ أم هي اختبارات تتكرر كل لحظة وكل ساعة؟
وقد اختبر العباد في الماضي ويختبرون اليوم، فاختاروا لا نفسكم طريق الجنة والهدى والإيمان والخلاص، ولو مع بعض العناء الظاهر أو بعض الذل الذي يتصوره الناس، لأن الذل مع طاعة الله هو العز، والعز في طاعة الشيطان هو الذل والبوار.
أنحن مع الله أم اتبعنا خطى إبليس؟ وإبليس يخدع بالدرهم والدينار وبالمناصب التافهة
. أما أصحاب الحق والهدى فلا تهمهم هذه القضايا تبرهم وتبنهم عندهم سواء. لو ملك احدهم واديين احدهما تبر والآخر من تبن لأنفق تبره (ذهبه) قبل تبنه، يظن البعض أن مقام الأئمة (عليهم السلام) هو بهذا الذهب أو هذه القباب! فيحاول أن يحول هذه المدن المقدسة إلى أماكن سياحية تشبه أماكن السهر أو النوادي والملاهي في العالم، ولا يفكرون أن هذه المدن مدن مقدسة بسيرة الأولياء من آل محمد(صلى الله عليه واله وسلم)، مقدسة بالخلق والإيمان والتواضع والهدى، لا بالذهب والدنانير ولا بالقباب ولا بالمنائر التي تضاف يوماً بعد يوم على قبور أولياء ضحوا من اجل هداية الناس وتركوا القصور وما فيها وعاشوا في السجون. لو كانوا يريدون هذا ما أيسر أن يكون هذا بين أيديهم.
· الصراع اليوم صراع الملك الأجوف الذي يكون تحت سيطرة المحتلين وبطشهم وطغيانهم، والمحتلون يخضعون لسيطرة مجاميع من الصهاينة تتحكم ببلادهم وقراراتهم ومصائرهم، ولكن المؤمن لا يخضع لصهاينة. هذا الطفل الصغير الذي يرفع الحجر ليضرب به رأس الجندي الصهيوني أشجع من اكبر سياسي في العالم يخضع لمخادعات الصهاينة وأراجيفهم وتخويفهم.
· هناك من يريد أن يسلم العراق وقد سمعتم من يسمى برئيس الجمهورية ورأيتم بأعينكم! نحن بريئون من هذا الرئيس ومن جمهوريته ( اللهم لا تحشرنا معهم لا في الدنيا ولا في الآخرة ولا ترنا وجوههم لا في الدنيا ولا في الآخرة) يمد يده ليصافح مَنْ؟ ! يصافح قاتل العرب والمسلمين! هذا اليهودي الحاقد الصهيوني الخبيث يصافحه ثم يخرج من يسمي نفسه رئيس مكتبه فيقول هذه المصافحة لا تلزم الشعب العراقي!
طبعاً إنها لا تُلزم الشعب العراقي! من انتم حتى تلزمون الشعب العراقي؟. انتم وجدتم في الخيانة والعمالة منذ خلقتم، وكنتم زمن النظام السابق لا هم لكم إلا إرضاءه وكل ما تدّعونه من قتال أو كفاح كان مزيفاً ومخادعاً! هذه ليست قضية جديدة هذا انكشاف لواقع عاشه الناس مراراً وتكراراً، ونحن اعلم به، كل ما جرى في العراق من اجل حماية الكيان الصهيوني الذي يسيطر على السياسة في بلاد الغرب ثم يدفعهم كالحمر المستنفرة ليهاجموا بلاد المسلمين بعد أن يصنعوا لهم الأحداث كما حصل في نيويورك وغيرها! هم يصنعون هذه الأحداث وهم يهيجون هؤلاء المشوهين ويدفعونهم إلى هذه الحرب المدمرة حيث استشهد من أبناء العراق إلى اليوم ما يزيد على المليون إنسان.
· انتم ترون ثروات العراق، النفط يصل أعلى مستوياته بحيث يقول الاقتصاديون إن اقتصاد العالم اقترب من الخطر ولا مستفيد منه إلا البلدان المصدرة للنفط! والعراق أول هذه البلدان!! ولكن انظروا إلى حال شعب العراق وأهل العراق وماذا يجري عليهم، المهجرون اليوم هم في أسوأ الظروف وهناك صور تنشرها إحدى الصحف في الخارج تعكس أقسى ما يمكن أن يفكر فيه الإنسان من المآسي على هؤلاء المهجرين ـ طفلة صغيرة تنزل في خزان ماء فلا تجد ماءاً فتنزل هي في هذا الخزان لتخرج بعض الماء بأقداحها الصغيرة والماء الذي تخرجه ماءاً متغيرا لونه قذراً ملوثاً! وأين هذا؟ هذا في مدينة النجف! عند المهجرين الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق والذين يحسب الكثير أنهم لم يرجعوا إلا بمساومات! يقول له ترجع هؤلاء مقابل هؤلاء! وهذا كلام لا يقوله عاقل أو مسلم! لان من يستطيع أن يرجع أخاً له في الله فعليه أن يرجعه اليوم دون أن ينتظر إرجاع غيره.
نحن نشيد بكل جماعة مؤمنة وقفت بوجه التهجير وحاربته ومنعت خروج الناس من بيوتهم ولو كان شخصاً واحداً، هذه أمور ستحتسب عند الله وستبقى لتؤكد وحدة هذه الأمة، نحن في هذه الظروف ومع هذه المليارات الوافدة إلى العراق نجد أن أبناء العراق لا يجدون ماءاً ولا يجدون قوتاً ولا يجدون دواءاً. نحن قلنا منذ البداية أن هذا الاحتلال يريد أن يسرق ثرواتكم وخيراتكم ولا يبقى لكم شيئاً.
· يأتي شخص آخر يقالٍ انه وزير الخارجية! من الذي وضعه وزيراً للخارجية؟ لا احد يدري إلا القرار الذي وضعه (بريمر) وأمثاله! يتحدث كل لحظة عن إتمام المعاهدة وان المعاهدة قد وصلت إلى مراحلها النهائية! ولكن أين هي المعاهدة ومن الذي يعرف المعاهدة وعلى من عُرضت؟ يقول أن المعاهدة في صالح الشعب العراقي! ـ من أنت حتى تتكلم باسم الشعب العراقي؟ انتم موظفون في هذه الإدارات الاحتلالية! رواتبكم ووجودكم لا يقوم إلا على هذا الأساس، وانتم لا تمثلون الشعب العراقي بل ولا تمثلون الشعب الكردي، الأكراد بريئون منكم كما نحن نبرأ منكم إلى الله والى الناس. هذه القضايا أصبحت من الواضحات، وأصبحت من القضايا التي نراها بين لحظة وأخرى، كل لحظة يخرج رجل فيخادعنا بشيء جديد، إذا قال احد المسؤولين أن المعاهدة فيها انتهاك للسيادة يخرج مسؤول آخر تحركه إدارة الاحتلال ليقول (لا) المعاهدة جيدة وأنها لمصلحة الشعب العراقي! هذا هو التحالف الخطير الذي اشرنا إليه والى مخاطره منذ البداية، لان من يتحالف مع الشيطان وأتباع الشيطان سيسحبهم الشيطان إلى شراكه ويوقعهم في المهالك وهذا هو الاختبار الأخير أمامنا في هذه الأيام. إذا وقعت هذه المعاهدة فقد العراق استقلاله وسيادته وهو فاقد اليوم للاستقلال والسيادة هذا ليس معناه أن هناك استقلال وسيادة الآن ولكن المعاهدة ستكرس هذه التبعية إلى ما شاء الله، نحن نسمع أن بعض المسؤولين يرفضون ونحن نقول لهم اثبتوا على هذا الموقف ولو دفعتم حياتكم ثمناً له لتثبتوا، إنكم لن تبيعوا أنفسكم ثمناً للشيطان، بعض الذين يروجون للمعاهدة معروفون بارتباطهم بالمشروع الصهيوني، وما هذه الصورة التي ظهرت والمصافحة التي رأيتم إلا جزء من الحقيقة التي يعرفها كل المطلعين .
· نحن في هذه البلاد وفي هذه الأرض التي جعلها الله أرضا مقدسة مكرمة. هذه الأرض ارض الأنبياء وارض الأئمة والصالحين والأولياء، ما أرادها طاغ أو باغ بظلم إلا وأهلكه الله، وقد رأينا كثيراً من الطغاة كيف اهلكوا عندما بغوا في الأرض وطغوا وسنرى هلاك الطغاة الكبار الذين جاءوا بمخططاتهم وقد بدت بوادر فشلهم وهلاكهم في هذه البلاد والحمد لله. نحن كما قلنا مراراً ونقولها اليوم، نحن في صراع كبير بين مشروعين سياسيين، أو رسالتين فكريتين إحداهما ليست فكرية في الحقيقة بل تتخذ الفكر وسيلة للسيطرة على العباد، أما الرسالة الفكرية فهي رسالة الإسلام في تحررها وفي نهضتها وفي دعوتها إلى الخير، وهي رسالة الأنبياء كافة، فإنهم ما جاءوا إلا بها { الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيبا } هذه الرسالة هي الرسالة المحررة وهي رسالة القوة والإيمان، وليس رسالة الضعف والتخاذل والانزواء وليّ الرقاب وعلى هذه الرسالة قامت امة الإسلام امة محمد (صلى الله عليه واله وسلم) .
المكتب الإعلامي
لجامعة مدينة العلم للإمام الخالصي الكبير (قدس سره) في الكاظمية المقدسة
1 رجب 1429هـ الموافق 4 تموز 2008 م .
تعديل الخبر